حبيب الله الهاشمي الخوئي
18
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
سلطنته ، ولمّا كان تعالى شأنه هو الغنيّ المطلق في كلّ شيء عن كلّ شيء وكان كلّ ما عداه مقهورا تحت قدرته نافذا فيه حكمه بالايجاد والابقاء والافناء ، لم يحتج في سلطانه إلى أحد من خلقه . وأمّا التّخوف من عواقب الزّمان فلأنّ الضّرر والانتفاع وما يلحقهما من الخوف والرّجاء وغيرهما إنّما هي من لواحق الممكنات القابلة للنقصان والكمال وما هو في معرض التّغير والزّوال في الذّات والصّفة والفعل ، وواجب الوجود بحسب جميع الجهات وجوب بلا إمكان ووجود بلا عدم وتمام بلا نقص ، فلا يمكن أن يكون غرضه من الايجاد دفع ذلك الخوف عن نفسه . وأمّا الاستعانة على الضّد والنّد والشّريك فلأنّ الاستعانة هو طلب العون من الغير وهو من لوازم الضّعف والعجز وهما من تناهي القوّة والقدرة ، وإذ لا ضعف ولا عجز لكماله سبحانه قوة وقدرة فلا يتصور في حقّه الاستعانة : وأيضا لا ضدّ له ولا ندّ ولا شريك حتّى يحتاج في دفعهم إلى الاستعانة ، لأنّ كلّ شيء هو مخلوق له ، والمخلوق لا يكون ضدا لخالقه ولا ندّا ولا شريكا ، بل المخلوقات يكون بعضها بالنّسبة إلى بعض على هذه الصّفات واللَّه سبحانه منزّه عن صفات المخلوقين وخواصّ المحدثين . وإليه أشار بقوله ( ولكن خلايق مربوبون وعباد داخرون ) يعنى ولكنّهم خلايق مربوبون لهم ربّ قاهر وعباد داخرون لهم معبود غالب فهم مقهورون مملوكون محتاجون إلى ربّهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا . والثانية عشر أنّه تعالى ( لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كاين ، ولم ينأ عنها فيقال هو منها باين ) يعنى أنّه سبحانه أقرب إلى الأشياء من كلّ قريب ولكن لا بحلول فيها ، وأبعد منها من كلّ بعيد ولكن لا بمباينة عنها ، وذلك لأنّه تعالى جعل لكلّ شيء حدا محدودا وليس له حدّ ونهاية فلا يكون حالَّا في موضع أو محلّ وإلَّا لكان وجوده فيه واختصاصه به كاختصاص الحال بالمحل والمتمكَّن بالمكان ، وذلك